عثمان بن جني ( ابن جني )

427

الخصائص

ألحد حوى حيّة الملحدين ! * ولدن ثرى حال دون الثراء ! " 1 " فيمن رواه هكذا ( حوى حيّة الملحدين ) أي قاتل المشركين ، وكذلك قال في آخر البيت أيضا : * ولدن ثرى حال دون الثراء * فجاء به مجىء التجنيس ، وليس على الحقيقة تجنيسا صحيحا . وذلك أن التجنيس عندهم أن يتّفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان ؛ كالعقل ، والمعقل ، والعقلة ، والعقيلة ومعقلة . وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس . وليس الثرى من لفظ الثراء على الحقيقة ؛ وذلك أن الثرى - وهو الندى - من تركيب ( ث ر ى ) لقولهم : التقى الثريان . وأمّا الثراء - لكثرة المال - فمن تركيب ( ث ر و ) ؛ لأنه من الثروة ؛ ومنه الثريّا ؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها ، فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحلّ . ومنه قولهم : ثرونا بنى فلان ، نثروهم ثروة ، إذا كنا أكثر منهم . فاللفظان - كما ترى - مختلفان ، فلا تجنيس إذا إلا للظاهر . وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في شرح المقصور والممدود عن ابن السكيت ، وأن الفرّاء تسمح في ذكر مثل هذا على اختلاف أصوله ، وأن عذره في ذلك تشابه اللفظين بعد القلب . ومن ذلك قولهم : عدد طيس ، وطيسل . فالياء في طيس أصل ، وتركيبه من ( ط ى س ) و [ هي ] في طيسل زائدة ، وهو من تركيب ( ط س ل ) . ومثله الفيشة ، والفيشلة : حالهما في ذلك سواء . وذهب سيبويه في ( عنسل ) إلى زيادة النون ، وأخذها من قوله : عسلان الذئب أمسى قاربا * برد الليل عليه فنسل " 2 "

--> ( 1 ) هذا في مرثية لخالد بن يزيد بن مزيد الشيباني . وترى " ألحد " و " لدن " مرفوعين ، وهو ما في الديوان . وفي أصول الخصائص : ألحدا ، ولدن بنصبهما . والوجه ما أثبته . يقول : أيحوى لحد حية الملحدين ! يعجب من هذا . والملحدون : الكافرون ، وحيتهم : مهلكهم كما يهلك الحية من لدغه . و " لدن ثرى " فاللدن الناعم ، وهو من إضافة الصفة للموصوف : أي أيحول الثرى - وهو هنا تراب القبر - دون الغنى والوفر الحالين فيه بحلول المرثى . ( نجار ) . ( 2 ) البيت من الرمل ، وهو للبيد في ديوانه ص 200 ، ولسان العرب ( عسل ) ، وتاج العروس